أضاف الاقتصاد الأميركي أكثر من 400 ألف وظيفة خلال العام الماضي. وقد أصبح من الطبيعي ألا تتطلب العديد من الوظائف، الأسرع نمواً، درجة جامعية مدتها أربع سنوات، وإنما مؤهلات معترفاً بها في قطاعات العمل يمكن الحصول عليها في غضون أشهر لا سنوات، وبشكل متزايد بينما لا يزال الطلاب في المرحلة الثانوية.
في عام 2010، كان أصحاب العمل ينشرون وظائف تتطلب درجة جامعية أكثر من الوظائف التي لا تتطلبها. وبحلول عام 2020، انقلب الوضع؛ إذ تجاوز عدد الوظائف المنشورة عبر الإنترنت والمتاحة للعاملين من دون درجة جامعية عدد الوظائف التي تتطلب هذه الدرجة بنسبة تقارب الضعف.
وتستجيب واشنطن لهذا التغير. فمنذ الأول من يوليو، وللمرة الأولى في تاريخ المساعدات الطلابية الفيدرالية، أصبح بإمكان الطلاب استخدام منح «بيل» ليس فقط للحصول على درجة جامعية، بل أيضاً للحصول على مؤهلات مهنية قصيرة الأجل، تصل مدتها إلى ثمانية أسابيع. ويفتح ذلك الباب أمام مجالات تشهد طلباً كبيراً، مثل الرعاية الصحية والبناء، ومهن مثل الأعمال الكهربائية، وأنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء، وتركيب الألياف الضوئية. وستزداد أهمية تلك المهن مع بناء مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة لتشغيل الاقتصاد الحديث. وهناك رسالة من «الجمهوريين» و«الديمقراطيين» واضحة مفادها أن السياسة الفيدرالية ينبغي أن تدعم مسارات متعددة للحراك الاقتصادي.
ويقابل ذلك تحول في طريقة تفكير الأسر في الانتقال من المدرسة الثانوية إلى الحياة المهنية. فقد ارتفع الالتحاق ببرامج التدريب المهني والشهادات المهنية بنحو 20% منذ عام 2020، كما تضاعفت نسبة الآباء الذين يرون التعليم المهني والتقني مساراً للطلاب المتفوقين، وليس مجرد خيار بديل تقريباً ثلاث مرات منذ عام 2019. وأصبح مزيد من طلاب المرحلة الثانوية لا يفكرون فقط في الجامعة التي سيدرسون فيها، بل أيضاً في العمل الذي سيتمكنون من القيام به بعد التخرج.
لكن رغم إدراك الآباء وصانعي السياسات أهمية التغيرات المتسارعة في التعليم، لا تزال مدارس كثيرة عالقة في حقبة زمنية مختلفة، إذ يبلغ متوسط عمر مدارس التعليم العام الأميركية نحو 50 عاماً. ومع تحول التركيز على مدى عقود نحو الاستعداد للجامعة، تراجعت أولوية المساحات المهنية التي كانت تربط الطلاب بالوظائف. كما تتأخر المناطق التعليمية بنحو 56 مليار دولار سنوياً عن احتياجات الاستثمار الرأسمالي، وكانت الورش والمختبرات من أكثر المساحات تضرراً. واليوم، يقول نحو نصف معلمي التعليم المهني والتقني، إن برامجهم تحتاج إلى مرافق ومعدات إضافية. وتعكس تلك الفجوات تصوراً قديماً يرى أن مسار الجامعة ذات الأربع سنوات هو المسار الوحيد الذي تستحق المدارس أن تُصمم من أجله.
ولا تقل أهمية المكان الذي يتعلم فيه الطلاب عن أهمية ما يتعلمونه. ويسمي باحثو التعليم البيئة المادية «المعلم الثالث»، بعد المعلمين وزملاء الدراسة. وتشير الأبحاث إلى أن التصميم المدرسي المدروس يعزز تركيز الطلاب وتعاونهم ونتائجهم الأكاديمية.
وتظهر أهمية الاستثمار في مرافق المدارس في أكاديمية «أوتيكا شيل» بولاية أوهايو. فقد بدأ برنامجها القائم على المهارات لمساعدة المتسربين على استعادة مسارهم الدراسي داخل فصل واحد، ثم تحول إلى نموذج وطني يخدم نحو 170 طالباً في ستة فروع، تضم مرافق متطورة لعمليات اللحام، ومختبرات للروبوتات، ومراكز تدريب على صيانة المعدات الصناعية والمعدات الثقيلة. وقام البرنامج على فكرة بسيطة: إذا طلبت من الطلاب تعلم مهارات بمستوى قطاع الصناعة، فينبغي أن يشبه تصميم الفصل الدراسي وأجواء التعلم بيئة العمل نفسها.
ولا يقتصر تزايد الطلب على هذا النوع من التعليم على أولياء الأمور فحسب. ففي استطلاع حديث، أفاد 80% من المشاركين من مديري التوظيف بأن خريجي المدارس الثانوية اليوم أقل استعداداً للعمل من الأجيال السابقة. في المقابل، يُنظر إلى الحاصلين على شهادات معترف بها في الصناعة على أنهم أكثر استعداداً للانضمام لسوق العمل.
ويرغب الطلاب وأولياء الأمور وأصحاب العمل في الشيء نفسه، وهو تحصيل المعرفة والمهارات والخبرة اللازمة لدخول عالم العمل المتغير. وللأسف، لم تُؤسس العديد من المدارس الثانوية لتوفير ذلك. إذ يُعد تغيير البيئة المادية للتعلم من بين أكثر التحديات تعقيداً في ظل بيئة سياسية مشحونة ومجزأة. وتواجه المناطق التعليمية ملايين، بل مليارات الدولارات من تكاليف الصيانة المؤجلة، والتمويل غير متكافئ ونقص الموارد.
وبدأت بعض الولايات التحرك. ففي ولاية أيداهو، استحوذت منطقة ويست أدا التعليمية على مستودع مساحته 70 ألف قدم مربعة لتحويله إلى حرم تعليمي مؤهل لسوق العمل. وأصبح المشروع ممكناً بفضل قانون صدر عام 2024 وضع إطاراً لاستثمار نحو ملياري دولار في تحديث مرافق المدارس. كما أنشأت الولاية برنامج «طلاب أيداهو المستعدون للمهن» لتمويل البناء والمشروعات الرأسمالية، ومنحت أكثر من 64 مليون دولار للمناطق التعليمية بحلول نهاية 2025.
وينبغي لمزيد من الولايات أن تتخذ المسار نفسه؛ فبينما يمثل وضع مباني المدارس مسألة محلية، فإن إعداد قوة عاملة ماهرة يمثل أولوية وطنية.يتطلع طلاب اليوم إلى استكشاف المسارات المهنية في وقت أبكر من الأجيال السابقة، حيث يرغبون في التخرج وهم يمتلكون خيارات متعددة. ولن يتمكنوا من ذلك في مبنى صُمم في سبعينيات القرن الماضي لاقتصاد لم يعد قائماً.
*نائب وزير التعليم الأميركي بين عامي 2001 و2003، ونائب رئيس مجلس التعليم في ولاية فرجينيا بين عامي 2022 و2026.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


